فخر الدين الرازي
106
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
رأسه ، فقال عليه الصلاة والسلام : « قد قلت لك فما أطعتني » فرجع إلى منزله وقبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . ثم أتى أبا بكر بصدقته ، فلم يقبلها اقتداء بالرسول عليه السلام / ثم لم يقبلها عمر اقتداء بأبي بكر ، ثم لم يقبلها عثمان ، وهلك ثعلبة في خلافة عثمان . فإن قيل : إن اللّه تعالى أمره بإخراج الصدقة ، فكيف يجوز من الرسول عليه السلام أن لا يقبلها منه ؟ قلنا : لا يبعد أن يقال : إنه تعالى منع الرسول عليه السلام عن قبول الصدقة منه على سبيل الإهانة له ليعتبر غيره به ، فلا يمتنع عن أداء الصدقات ، ولا يبعد أيضا أنه إنما أتى بتلك الصدقة على وجه الرياء ، لا على وجه الإخلاص ، وأعلم اللّه الرسول عليه السلام ذلك فلم يقبل تلك الصدقة ، لهذا السبب ، ويحتمل أيضا أنه تعالى لما قال : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وكان هذا المقصود غير حاصل في ثعلبة مع نفاقه ، فلهذا السبب امتنع رسول اللّه عليه السلام من أخذ تلك الصدقة . واللّه أعلم . المسألة الثانية : ظاهر الآية يدل على أن بعض المنافقين عاهد اللّه في أنه لو آتاه مالا لصرف بعضه إلى مصارف الخيرات ، ثم إنه تعالى آتاه المال ، وذلك الإنسان ما وفى بذلك العهد ، وههنا سؤالات : السؤال الأول : المنافق كافر ، والكافر كيف يمكنه أن يعاهد اللّه تعالى ؟ والجواب : المنافق قد يكون عارفا باللّه ، إلا أنه كان منكرا لنبوة محمد عليه السلام ، فلكونه عارفا باللّه يمكنه أن يعاهد اللّه ، ولكونه منكرا لنبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، كان كافرا . وكيف لا أقول ذلك وأكثر هذا العالم مقرون بوجود الصانع القادر ؟ ويقل في أصناف الكفار من ينكره ، والكل معترفون بأنه تعالى هو الذي يفتح على الإنسان أبواب الخيرات ، ويعلمون أنه يمكن التقرب إليه بالطاعات وأعمال البر والإحسان إلى الخلق ، فهذه أمور متفق عليها بين الأكثرين ، وأيضا فلعله حين عاهد اللّه تعالى بهذا العهد كان مسلما ، ثم لما بخل بالمال ، ولم يف بالعهد صار منافقا ، ولفظ الآية مشعر بما ذكرناه حيث قال : فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً . السؤال الثاني : هل من شرط هذه المعاهدة أن يحصل التلفظ بها باللسان ، أو لا حاجة إلى التلفظ حتى لو نواه بقلبه دخل تحت هذه المعاهدة ؟ الجواب : منهم من قال : كل ما ذكره باللسان أو لم يذكره ، ولكن نواه بقلبه فهو داخل في هذا العهد . يروى عن المعتمر بن سليمان قال : أصابتنا ريح شديدة في البحر ، فنذر قوم منا أنواعا من النذور ، ونويت أنا شيئا وما تكلمت به ، فلما قدمت البصرة سألت أبي ، فقال : يا بني ف به . وقال أصحاب هذا القول إن قوله : وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ كان شيئا نووه في أنفسهم ، ألا ترى أنه / تعالى قال : أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وقال المحققون : هذه المعاهدة مقيدة بما إذا حصل التلفظ بها باللسان ، والدليل عليه قوله عليه السلام : « إن اللّه عفا عن أمتي ما حدثت به نفوسها ولم يتلفظوا به » أو لفظ هذا معناه وأيضا فقوله تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ إخبار عن تكلمه بهذا القول ، وظاهره مشعر بالقول باللسان . السؤال الثالث : قوله : لَنَصَّدَّقَنَّ المراد منه إخراج مال ، ثم إن إخراج المال على قسمين قد يكون واجبا ، وقد يكون غير واجب . والواجب قسمان : قسم وجب بإلزام الشرع ابتداء ، كإخراج الزكاة الواجبة ، وإخراج النفقات الواجبة ، وقسم لم يجب إلا إذا التزمه العبد من عند نفسه مثل النذور . إذا عرفت هذه الأقسام الثلاثة ، فقوله : لَنَصَّدَّقَنَّ هل يتناول الأقسام الثلاثة ، أوليس الأمر كذلك ؟